هشام استيتو يكتب: هل استغل قانون الطوارئ الصحية لضرب استقلال السلطة القضائية؟

غاية التدابير المتخدة في إطار الطوارئ الصحية لا يمكن أن تكون عبثية من خلال تعطيل المرفق العام، لأن المنطق الذي يحكم هذه الطوارئ يقوم على التوازن بين حماية النظام العام الصحي، والحقوق الأساسية للمواطن وليس تعطيلها، وتقدير هذا التوازن يبقى بيد الحكومة الرشيدة التي لا يمكنها اتخاذ حالة الطوارئ مهما كان لونها كمطية لفرض سلطة خالية من روح القانون.

الأمر لا يقف عند هذا المستوى، بل يتعداه الى التزامات دولية ترتقي الى مصاف القواعد الامرة للقانون الدولي والتي التزم بها المغرب، ولعل أهمها ما تقتضيه المادة 4 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تضع قيودا على فرض حالة الطوارئ عموما ومن بينها قيد عدم مساس تدابير الطوارئ بالالتزامات المترتبة عن القانون الدولي مع وجوب اتخاذها ضمن نطاق ضيق.

ويمكن اعتبار التنزيل الوطني لهذه المقتضيات في المغرب هو ما نصت عليه المادة الثالثة من مرسوم إعلان الطوارئ الصحية، التي أوضحت أنه لا يمكن للتدابير المتخذة في إطاره تعطيل المرفق العام، وهو الذي يقوم على ركائز من بينها الاستمرارية.

Ad Image

الفقه الدستوري من جهته انتقد تعامل بعض الأنظمة السياسية مع حالة الطوارئ عموما، بشكل يفرغ منظومة الحقوق والحريات من محتواها، وهوما تتوقف حدته على استلهام النظام السياسي المعني لمفاهيم المشروعية والطبيعة القانونية لإجراءاته، والتي غالبا ما تقيد طبيعته السلطوية، لذلك يتمادى في إبداع أشكال التضيق على الحريات الأساسية والحقوق العامة بذريعة الطوارئ.

هذا الأمر لم تسلم منه حتى اعرق الديمقراطيات في العالم، والتي عرفت احتجاجات للمواطنين على شطط السلطات في إجراءات محاصرة الوباء عبر فرض الطوارئ الصحية، وإن بشكل متفاوت لكنه بالتأكيد لم يمس مبدأ الفصل بين السلط.

لكن هناك حقوق طبيعية لا يمكن أن تطالها إجراءات الطوارئ مهما كانت مبررات المساس بها، بل أن حتى الطبيعة البشرية لا يمكن أن تسلم بهذا المساس، وبالتالي فإن طبيعة بعض الدول الضاربة عرض الحائط الحقوق الأساسية للإنسان تقف عاجزة عن مصادرة هذه الحقوق.

أن ابرز هذه الحقوق هو الحق في العدالة والأمن القانوني والقضائي والذي أفرد له الدستور المغربي المواد 117 وما بعدها منه، والتي تتحدث عن الحق في التقاضي والحق في الدفاع ومبدأ علنية الجلسات.

لكن هذه الحقوق تم تعطيلها بعمل هجين وملتبس موقع من وزارة العدل والرئاسة المنتدبة للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وهوما عرف بالدورية الثلاثية التي أدى تفعيلها منذ 20 دجنبر الجاري إلى عسكرة محاكم المملكة وحرمان الناس من الاستفادة من خدمات مرفق العدالة إلا إذا تم الإدلاء بجواز التلقيح.

هذه المذكرة المخالفة لمرسوم الطوارئ الصحية في مادته الثالثة وللفصول 117 وما بعده من الدستور وللشرعة الدولية لحقوق الانسان، أدخلت الحكومة المغربية في نزال كسر العظم مع المحامين وباقي المهن ذات العلاقة بالمرفق.

لقد حدث إجماع وطني في صفوف المحامين على رفضها، من خلال عدة أشكال احتجاجية بلغت ذروتها عبر وقفة أمام محكمة النقض نظمتها فدرالية جمعيات المحامين الشباب بالمغرب، بعد اصدارها لعدة بيانات في الموضوع وكذا تشبث جمعية هيئات المحامين بالمغرب بعدم قانونية هذه الدورية وتأكيدها على وجوب ضمان ولوج حر للمحاكم بدون قيد او شرط.

وهذا الرفض مؤسس بالدرجة الأولى على ما تبنته مهنة المحاماة من حمل لواء الدفاع عن فصل السلط واستقلال القضاء الذي أخلت به السلطات القضائية نفسها عندما قبلت الخضوع لإملاءات وتدابير السلطة التنفيذية.

إن الأزمة الراهنة التي زج فيها بمرفق جليل والتي لا يمكن لأي محام حر أن يساوم حول مخرجات غير قانونية لها، تطرح سؤال طبيعة العمل القضائي ببلادنا ونموذج استقلاله، في وقت لم تحرك فيه أي من جمعيات القضاة ساكنا لتقييم هذه الدورية والتي لا ترقى الى مستوى النصوص التي يجب على القاضي أن يطبقها على حالها، بل هي مجرد عمل إداري بسيط لا يلزمه في شيء، بل أن التعاطي اليومي مع الملفات أكد تعامل القاضي المغربي بطريقة مجردة عن ظروف الحال مع الملفات المعروضة عليه وهوما يجعله يحجز الملفات المدرجة منذ 20 دجنبر للمداولة أو التأمل رغم معاينته اليومية لعسكرة المحاكم ومنع الدفاع من القيام بواجبه المهني.

وإن كان القاضي لا يحكم بعلمه فإنه ملزم دستوريا بالتطبيق العادل للقانون بصريح الفصل 110 من الدستور، لذلك فالرهانات تبقى مفتوحة أيضا على المبادرة القضائية، وكذلك على الضمانة الدستورية لاستقلال السلطة القضائية، أمام تغول السلطة التنفيذية التي بلغت حدا ينذر بانتكاسة حقوقية كبيرة، وبالتالي فإن منطقية إستقلال السلطات أصبحت حجة بالغة لحصر طبيعة السلط وعمقها المسيطر بفطرته كما قال دومنتسكيو الذي أهدرت أفكاره النبيلة على أبواب محاكمنا.

.

شارك :

عن كليك نيوز

شاهد أيضا

الحكومة تتجه للاستغناء عن مبادرة “مليون محفظة” وتعويضه بدعم مالي للأسر

تتجه الحكومة المغربية إلى حذف مبادرة “مليون محظفة” وتعويضها بصرف مبالغ مالية إضافية للأسر المستفيدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *