احتفل الشعب المغربي قاطبة بعيد الأضحى، من خلال إحياء سنة سيدنا إبراهيم، وتبادل الزيارات والتهاني، لكن إذا كانت هذه هي القاعدة فلكل قاعدة استثناء، حيث نجد أن بعض المهن والوظائف تضطر أصحابها إلى قضاء العيد بعيدا عن الأهل والأحباب تلبية لنداء الواجب، كما هو الحال بالنسبة لموظفي السجن المحلي بتطوان، الذين لا يمكنهم إخلاء المؤسسة وبالتالي يتناوبون فيما بينهم من أجل استمرارية المرفق العمومي في تقديم الخدمات للنزلاء المتمثلة في التغذية والتطبيب إلى غير ذلك…
– بداية الدوام، صمت الصباح الذي يسبق أجواء العيد خلف الأسوار.
تشير الساعة إلى الثامنة صباحا، بدأ الموظفون يلتحقون بالمؤسسة لتعويض زملائهم الذين قضوا الليلة في تأدية الواجب، وكلما التقيا اثنين إلا وتبادلا التهنئات فيما بينهم، حيث اجتمعوا جميعا في انتظار ذبح الأضحية وتبادل التهنئات مع مدير المؤسسة.

– جمعية التكافل، حاضرة في قلب الحدث.
سألت أحد الموظفين عن مصدر الأضحية التي ستذبح ومن يتكفل بها وبمتطلبات العيد، فكان الجواب، أن جمعية التكافل الاجتماعي لموظفي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، هي من تقوم بشراء الأضحية، والحلويات وكل متطلبات العيد، وتعمل على توفير الظروف الملائمة حتى يتمكن الموظفون من تمضية اليوم في أحسن الظروف، والإحساس بطعم العيد ولو في ظل المهام التي يباشرونها، مضيفا أن الجمعية صرفت منحة تتراوح بين 1500 و1800 درهم لجميع الموظفين مساهمة منها في شراء أضحية العيد، بالإضافة لمجموعة من الخدمات الصحية والاجتماعية والمنح التي تقدمها طيلة أيام السنة.
– مدير المؤسسة حاضر لتقديم التهاني وذبح الأضحية.
المسؤول الأول عن المؤسسة، بدوره كان أول الحاضرين من أجل الإشراف على ذبح الأضحية وتقديم التهاني للموظفين، وكذا التوجه نحو المعقل لتهنئة النزلاء، ومن باب الفضول سألته عن سر تواجده في الوقت الذي من المفروض أن يكون مع عائلته للاحتفال، فكان الجواب أن منصب مدير مؤسسة في قطاع كالسجون باعتباره قطاعا أمنيا إدماجيا، يحتم عليه التواجد كلما استدعت الضرورة ذلك، تراجعت للوراء لأتابع مشهد تبادل التهاني بين المدير والموظفين، فكان المشهد إنسانيا ورائعا، فوسط مؤسسة عنوانها الحرمان توزع الابتسامات والتهاني النابعة من القلب بين المدير والموظفين، حيث أضفت على المكان مشاعر يمكن للحاضر أن يلتقطها، بحكم أنها حارة حرارة هذا اليوم الجميل والمشمش.
– التوجه نحو المعقل لتهنئة النزلاء في انتظار تحضير فطور العيد.

فور الانتهاء من ذبح الأضحية توجه الجميع للمعقل من أجل تقديم التهاني للنزلاء، وهنا حالة إنسانية أخرى مهما اجتهدت في وصفها ستبقى الكلمات عاجزة عن تبليغها، فالفرحة التي تابعتها على وجوه النزلاء لن تجدها إلا عند الأطفال وهم يحصلون على هدية العيد، يبدو من خلال ما تابعته أن النزلاء يضعون المدير والموظفين في مقام الأب، كيف لا وهم الساهرون على أمنهم وتغذيتهم وتطبيبهم ودراستهم وأنشطتهم…. وها هم اليوم يتركون عائلاتهم ليتواجدوا معهم في يوم له قيمة ومعنى عند كل المغاربة.
– النزلاء بدورهم يذبحون أضحيتهم ويحتفلون بالعيد.

وبحكم أن لا قانون فوق سطح الأرض يمكنه تجريد النزلاء والنزيلات من حقهم في الاحتفال بمناسبة عيد الأضحى، فالمندوبية العامة تعمل على توفير العدد الكافي من الأكباش، بالإضافة إلى السماح للنزلاء بتلقي قفة العيد، حتى يتمكنوا من تذوق فرحة العيد، وهم يقضون عقوبتهم السالبة للحرية، لكن يبدو من خلال ما تباعته فإن العقوبة لم تسلب منهم فرحتهم، حيث تابعتهم وهم يلتفون حول الأكباش ويلعبون معها، قبل قيام النزلاء المكلفون بذبحها وسلخها.
– مائدة الإفطار تلم الجمع من جديد.
بعد انتهاء الموظفين من عملية تعويض زملائهم، وذبح الأضحية، وتهنئة النزلاء، ها هم يجتمعون من جديد لتناول وجبة الإفطار التي وفرتها جمعية الأعمال الاجتماعية، والمتكونة من القطبان وحلوى العيد وكؤوس الشاي… إسوة بباقي الأسر التي تحتفل بالعيد، ولكن بحكم خصوصية القطاع فلا يمكن للجميع ترك أماكن عملهم والتجمع حول مائدة الإفطار فمبدأ التناوب حاضر، والفرحة حاضرة، والمتمنيات بالنجاح والتوفيق للجميع حاضرة، وكذا المتمنيات بمستقبل أفضل للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
– الفرحة خلف الأسوار صادقة
لطالما اشتكينا من غياب فرحة العيد، ولكن اليوم الذي قضيته خلف الأسوار، ومن خلال ما شاهدته جعلني أتأكد أن انشغالنا بالحياة وكثرة النعم التي نملكها هو ما يجعلنا لا نعطي القيمة لها، في حين ان الإنسان الذي يفتقدها يصبح مستعدا لتلقي الفرحة حتى وإن كان مصدرها أبسط الأشياء، فالموظفون المحرومون من قضاء العيد رفقة عائلاتهم فرحون بالمبادرة التي قامت بها جمعية الأعمال الاجتماعية، والنزلاء بدورهم فرحون بالتضحيات المبذولة لجعلهم يحسون بأجواء العيد حتى وهم خلف الأسوار.
كليك نيوز