البشير القريمدي يكتب: مترشح لمباراة التعليم بشفشاون (الجزء1)

 ها أنا ذا أقترب أخيرا من تحقيق حلمي الذي طالما راودني منذ أن كنت تلميذا بالمستوى الابتدائي حينما شجعني أستاذ اللغة العربية وهو يوزع علينا أوراق الإنشاء قائلا: سيكون لك شأن كبير في فن الكتابة!
فرحت كثيرا وزاد اهتمامي بحصة الإنشاء التي كنت أحرص على أن أبذل فيها مجهودا أكثر من المكونات الأخرى..
كان تأثير هذا المعلم علي كبيرا في مساري الدراسي، حيث اخترت في المرحلة الثانوية شعبة الآداب ومن بعدها قيدت نفسي ضمن طلبة شعبة اللغة العربية في الجامعة. وبالرغم من اضطراري لتركها بعد عامي الأول إلا أني عدت لأتابع دراستي بعد خمس سنوات من الانقطاع الاضطراري لظروف اقتصادية قاهرة ، ذلك أنه لم يكن بمقدوري توفير سومة الكراء ومصروف المعيش ومبلغ اقتناء الكتب التي كان الأساتذة يلزمون كل طالب أن يمتلك كتابا خاصا به .
مرت سنوات الجامعة سريعا وحصلت على شهادة الإجازة في الشعبة التي أحببتها ، وهاهي ذي فرصتي الأولى والأخيرة للمشاركة في مباراة التعليم بعد أن أشرفت على إتمام خريفي التاسع والعشرين وبعد تحديد سقف سن المشاركة في الثلاثين . اخترت مديرية شفشاون نظرا للعدد الكبير نسيبا مقارنة بمديتي طنجة ورفعا لحظوظي في النجاح.
بعد أسبوعين من الانتظار بعد الترشح رأيت اسمي ضمن لوائح المترشحين التي كانت تضم الآلاف وبدأ خوف الرسوب يتسلل إلى نفسي.. قصدت مدينة شفشاون قبل المباراة بيوم، وبعد ساعتين من السفر بدأت الهمسات والحركات تنتشر في ركاب حافلة الساتيام التي أقلتني من طنجة إلى المدينة الزرقاء التي أطلت جبالها في الأفق القريب والتي قرأت وسمعت عنها في فيض كلمات هنا وهناك، هذه إذن الجنة الموعودة التي سعى لها ومن أجلها مولاي علي بن راشد، هذه هي الأميرة الأندلسية التي ولدت في جبال الشمال وتربت بعيدة عن وطنها ولا زالت تتذكر أصولها وإن طال الزمن.
كانت شمس هذا اليوم ذابلة لا وهج لها ولا دفء. حينما نزلنا من الحافلة في المحطة أسفل المدينة سألت أحد العابرين وكان يرتدي جلبابا صوفيا ويعتمر طربوشا من الصوف وقد وضع يديه داخل جيبي جلابته ورفعها قليلا من الأمام وشدها شدا إلى الخلف:
الخاوا شي فندق مزيان ورخيص؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وأشار بيده قائلا: عليك المرور من تك الطلعة( بضم الطاء) ستأخذك إلى طاحمام ( وطاء الحمام حسب علمي ) ، وستجد هناك ما تبحث عنه. شكرته وانصرفت بسرعة قبل أن تدركني أمطار السماء التي بدأت تبدل ألوانها وتنذر بليلة ممطرة باردة…
يتبع!
البشير القريمدي
شارك :

عن كليك نيوز

شاهد أيضا

محمد حميدة يكتب:الفراعنة في حضرة الأسود..حين تلقتي شعوب الدول صاحبة التاريخ والحضارة 

محمد حميدة/ كاتب صحفي/مصر تصرفات الشعوب وأخلاقها ليست عبثة أو محض صدفة، لكنها نتاج ثقافة …

error: المحتوى محمي !!